اكاديمية التدريب الاسري

أهمية النظام الأسري في الإسلام

بقلم الدكتور يوسف القسطاسي

تعتبر الأسرة من أبرز قواعد النظام الاجتماعي في الإسلام، القائم على الاستقامة والفضيلة والآداب السامية، والتفاعل مع المجتمع على نحو قوي، لا يتعرض للذوبان أو الضياع.

والأسرة نواة المجتمع؛ تنشأ برابطة زوجية تنسج صلة وثيقة بين أصول الزوجين  وفروعهما وحواشيهما، ثم تمتد علاقتها للجيران والأصدقاء، محققة بذلك نوعا من التلاحم والتكافؤ القائمين على أساس الدين والدم والنسب والجوار والأخوة التي أوصى بها الله تعالى في قوله: “إنما المومنون إخوة”[1] بل أتاح لها الإسلام أيضا المجتمع الإنساني في قوله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”[2].

لهذا الأمر اهتم الإسلام اهتماما بالغا بالأسرة، وأولاها من العناية والرعاية ما يكفل لها أن تنتج ثمارها المرجوة. ولما كانت المرأة شقيقة الرجل في بناء الأسرة حشد لها التشريع الإسلامي في القرآن الكريم والسنة النبوية حشدا كبيرا من مظاهر تلك العناية… إذ ما كان يمكن أن يقوم للأسرة بناء قوي، والمرأة تلقى المعاملة الجائرة التي كانت طبع الجاهلية.

لقد أعاد الإسلام الأمر إلى أصل الفطرة؛ فجعل معيار التفاضل التقوى، لا غير، وذكر الناس بأن أصل الأسرة هو شطر النفس الواحدة؛ مصداقا لقوله تعالى:”يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها”[3]؛ ثم جعل اللقاء بعد ذلك سكنا للنفس، وهدوء للعصب، وطمأنينة للروح، وراحة للجسد…ثم سترا وإحصانا وصيانة، ثم مزرعة وامتدادا للحياة مع ترقيها المستمر في رعاية المحضن الساكن الهادئ المطمئن المستور المحفوظ؛ قال تعالى: “ومن آياته أن خلق لكم أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”[4].

كل ذلك من أجل مقاصد سامية تتحقق نتيجة التقاء شطري النفس الإنسانية الواحدة؛ منها:

أولا: بناء النفس الإنسانية المتكاملة؛

ثانيا: الاستمتاع بالحياة الطيبة وضمان استقرار مصالحها؛

ثالثا: رفد نظام المجتمع والإبقاء على النوع البشري؛

رابعا: نشر القيم الإنسانية والفضائل الخلقية.

                                                                                                            يتبع …. 

المراجع:

 [1] سورة الحجرات الآية 10

[2] سورة الحجرات الآية 13.

[3] سورة النساء الآية 4

[3] سورة الروم الآية 21

[4] أزمة القيم ودور الأسرة في تطور المجتمع المعاصر الدورة الربيعية الأكاديمية المغربية 2004.

وظيفة الأسرة في التنشئة السليمة للأبناء [¹]

بقلم الدكتور الحسن تركوي

يمثل المناخ الأسري المحضن الأساس الذي تتشكل فيه شخصية الطفل؛ منذ بدء خلقه في رحم أمه([2]إلى أن يصير مسؤولا مستقلا عن أسرته([3]).

ففي فضاء الأسرة يتشرب كل طفل القيم المعنوية والمادية بكل أنواعها وأشكالها. ويكون هذا التشرب عن طريق التعلم المباشر الذي يتعمد الراشدون تبليغه إليه، أو غير المباشر عبر ما يقتبسه من الممارسات اليومية والإشارات التي يشاهدها ويلتقطها بين فينة وأخرى.

 وبذلك تمثل الأسرة المورد الأصلي الذي يكتسب منه الطفل المعارف، والمهارات، والقيم التي يترجمها في سلوكه عبر مراحل نموه ونشاطه داخل وخارج الأسرة.

 ونتيجة ذلك، كان الاهتمام آكدا برقي الأسرة، وإكساب الآباء المعارف التي تؤهلهم لاستيعاب حقيقة دورهم ومهامهم النبيلة تجاه أبنائهم؛ لتنشئتهم تنشئة متينة وسليمة ومتوازنة، وتمكنهم من الانخراط الإيجابي في الأسرة أولا، ثم في المجتمع ثانيا بكل ثقة وكفاءة.

 ومن المعروف والطبيعي أن يكون كل أب أو أم طموحا، يتمنى أن يكون أولاده أحسن منه في جميع المجالات. لكن يبقى السؤال الأكبر ملخَّصا في كيف السبيل لتحقيق هذا الطموح وهذه الأمنية الوالدية؟.

 وللإسهام في تحديد الكيف، نبسُط الأفكار التالية لعلها تكون صوى يحتدى بها لسلوك السبيل الأقوم لتحقيق المطلوب أو على الأقل بعضه. وعلى الآباء داخل الأسرة استحضار هذه الأفكار، والبحث عن سبل تحقيقها من أجل توفير الظروف اللازمة لتنشئة أبنائهم وضمان انخراطهم الفاعل والفعال في الأسرة والمجتمع بكل اتزان وثقة.

1- إيجاد القدوة الحسنة في المنزل بقيادة الأب والأم. فالطفل يتأثر بالأنموذج بشكل مباشر. وحين يكون الآباء هم القدوة الحسنة في البيت تكون عملية التوجيه والتربية متناغمة في ذهن الأولاد. ولما يكون الآباء بعيدين عما يريدون للأبناء أن يكونوا، يحصل التناقض ولا تتحقق الأهداف التربوية المنشودة. وكما قيل: فاقد الشيء لا يعطيه. قال الشاعر[4]:

     يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيْرَهُ … هَلاَّ لِنَفْسِكَ كانَ ذَا التّعْلِيمُ

 ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا … فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكِيمُ

فَهُنَاكَ يُسْمَعُ مَا تَقُولُ وَيُشْتَفَى … بِالْقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التّعْلِيمُ

لاَ تَنْه عَنْ خُلُقٍ وَتَأتي مَثْلَهُ … عَارٌ عَلَيْكَ اذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

 قال عتبة بن أبي سفيان[5] لمؤدب ولده: ” ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك؛ فإن عيونهم معقودة بك؛ فالحسن عندهم ما صنعتَ، والقبيح عندهم ما تركتَ، وعلِّمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روِّهم من الشعر أعفَّه، ومن الحديث أشرفه، ولا تُخرجهم من علم إلى غيره حتى يُحكِموه؛ فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم [6].

2- السهر على توفير المناخ التربوي الإيماني في البيت، الذي يساعد الطفل على تعلم وفهم مبادئ التوحيد، ومعانيه، وإسقاطاته على سلوكه وارتباطاته.

   فالتربية الإيمانية  تحصن الطفل من  أن تعبث به رياح الشرك، ويسود قلبه فراغ روحي يؤدي به إلى فقدان الارتباط بخالقه سبحانه. وتحتل هذه المسؤولية رأس القائمة فيما يجب على الآباء إيلاؤه الأهمية القصوى. قال صلى الله عليه وسلم : ” كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه“   ( [7]). ولا أقصد توجيه الأبناء إلى تكفير الناس ومقاطعتهم بدعوى التوحيد. فالتوحيد المطلوب هو التعرف على الخالق سبحانه والإيمان به، لإيجاد الأجوبة الشافية والكافية عن الأسئلة التي تشغل باله عن الكون وخالقه، وأصله ووجوده، والموت والبعث والحساب  والجنة والنار ، ومهمة الأنبياء والرسل ،ومكانة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته الإسلامية. وبعد ذلك ومعه يتربى على الرحمة والتراحم بينه وبين سائر الخلق والكون حوله. وأن يكون رفيقا في سلوكه بعيدا عن العنف والجفاء والقسوة. وتكثر عند الطفل أسئلة متنوعة ينبغي للأباء ومن يرافقه من ذويه أن يساعدوه بأجوبة في متناوله حتى يسد ما قد يتبادر إلى ذهنه من فراغات قد تحيره. ولتكن الإجابات بسيطة وسهلة الاستيعاب، وبخاصة إذا كانت مشجعة . كما يجب الحرص على عدم زجره أو   إبداء التبرم من تساؤلاته. وكلما تم ربطه بالخالق دعاء ومحبة وتفكيرا في المخلوقات كان ذلك مفيدا.

 وقد يكون الطفل خجولا، أو لديه خوف زائد، أو لم يتعود السؤال، وهنا تأتي مهمة الأبوين لتربيته على طرح السؤال وخلخلة تفكيره بالتدريج بلفت انتباهه إلى نمو الأشياء ودورها واهميتها، ليستوعب أن لكل شيء في هذه الحياة دورا يقوم به. وأن الحياة فرصة للعمل وليس للخمول والجمود والكسل. وأن لكل عمل أجر، كما أنك إذا درست بجد ستنجح وتأخذ الجائزة.

 ( يتبع)

———————————————————————-

[1] – لن اتعرض في هذا المقال إلى وظيفة الأسرة في تنشئة الطفل غذائيا وصحيا ورياضيا.فذلك له مكان آخر.لكن سأركز على المجال التربوي والمعرفي والمهاري.

[2 ]- أثبتت الدراسات والأبحاث وبخاصة المتعلقة بمراحل النمو والتأثيرات التي يتعرض لها الجنين في جميع مراحل تكوينه أنه يتأثر بانفعالات أمه النفسية والعصبية.

[3] بل إن التنشئة في الصغر لها تأثيرات على شخصية الإنسان طول حياته. فكم من سلوك سيئ تعرض له الطفل يتأثر به في الكبر إما تأكيدا عليه إذا مارسه، أو تصحيحا إذا منعه وتجنبه.

[4]  أبو الأسود الدؤلي ت  69 هـ /688م ، وقيل هي للمتوكل الليثي ت – 85 هـ / 704 م 

[5]  أخو الصحابي الجليل: معاوية بن أبي سفيان. تولى إمارة مصر من قبل أخيه معاوية. فقدمها في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين هجرية. ورابط في الاسكندرية سنة 44ه. توفي بها، ودفن بمنية الزجاج. الولاة وكتاب القضاة، أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي المصري، ص35، ط الأبا اليسوعيين، بيروت، سنة 1908م

[6] رواه ابن أبي الدنيا في العيال، 1/470 وعبد الرزاق (7293

[7] صحيح البخاري، كتاب الجنائز. ح 1292. صحيح مسلم، كتاب القدر،ح 2658

 

القائمة البريدية

تسجل في قائمتنا البريدية ليصلك جديدنا
ادخل بريدك الالكتروني: