مقالات الاكاديميات

التكامل الوظيفي والمعرفي في الإسلام

بقلم: الدكتور المهدي اليونسي 

يطرح التكامل الوظيفي والمعرفي نفسه اليوم كمفهوم دلالي معبر عن الفهم الجامع لوظيفة الإنسان في هذه الحياة في خضم “الجزآنية” التي يعيشها آنيا، والتي تاهت به في دروب لا يدري مداها ولا منتهاها، وأنسته الأصل والفصل الذي خلق من أجله؛ حتى أصبح اليوم أشقى إنسان مر على وجه الأرض. غابت عنه الإحاطة بمعنى الحياة حقيقة، وفهم المغزى من وجوده، وإن عرف ظاهرا من تقدم الدنيا وبهرجها التكنولوجي..

لو تأمل الإنسان في خلقته لما احتاج دليلا على ضرورة النظر التكاملي؛ فأعضاء الجسد على الرغم من اختلافها واختصاص كل منها في أداء وظيفته؛ تسير وفق تناسق تكاملي شمولي في حفظ الجسد كله، والكون كله مبني على هذا التناسق فكل كائن غير عاقل فيه موحى إليه بخصائص الوحدة والتوحيد والتكامل.

إن التكامل الوظيفي والمعرفي يجب أن يكون اليوم منهج المسلم في حياته ورسالته في هذا العالم، قدوته في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم الذي بلغ كمال التكامل القرآني؛ فلم ينسه عالم الغيب عالم الشهادة، ولم تأخذه رهبانية الدعوة عن تنظيمية الدولة، ولا أنانية الخلاص الفردي عن عظمة الخلاص الجماعي، ولم يستهوه زخرف الدنيا عن متاع الآخرة، بل كان يسير في الدنيا جامعا لباب الأمر كله، يوجهه في ذلك أمران، عليهما قيام كل قول أو فعل إنساني، وهما الغائية والسببية.

وكذلك ينبغي للمسلم أن يسلك؛ يقف بالغائية قبل البدء متسائلا: لم يفعل هذا؟ أو يقول ذاك؟ مستشعرا الرقيب الإلهي، ومستحضرا الوظيفة الاستخلافية لفعله وقوله، إذ كل فعل أو قول يجب أن تراعى فيه التراكمية الإيجابية ليبني عليها من يأتي بعد تجسيدا لسنة الله في الإنسان التي تقوم على أن البقاء للأصلح، وليس للأقوى مقتضى قانون الغاب…

ويتقن بالسببية الفعل، ويختار بها أحسن الوسائل لبلوغ غايته، وتلك سنة الله في عالم الأسباب، قال تعالى:( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا)[ سورة مريم، الآية: 25]، فالهز فعل وسبب ظاهر؛ إذ من قدرته عز وجل أن يسقط التمر على مريم كرامة، وهي في المخاض، ولكن طلبه في الأرض مبني على الفعل والسبب وفق الفهم الصحيح، فطلب منها فعل السبب لأن سنته لا تحابي أحدا، ولو كان نبيا مقربا.

وداخل هذا التكامل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعي فقه الأولويات، ويقدر الأمر ويختار طريقته في العمل حتى لا يكون بناؤه خبط عشواء…

 (…يتبع)

التكوين في مجال العلوم الإسلامية ; الواقع والآفاق(1)

بقلم: الدكتور عبد الحليم بن محمد أيت أمجوض

بسم الله الرحمان الرحيم، العليم الخبير، أفتح نافذة من خلال موقع مؤسسة التنوير للحديث عن هموم التكوين في مجال العلوم الإسلامية وآماله، راجيا من العلي القدير أن تجد صدى طيبا لدى رواد هذا الموقع المبارك بإذن الله.

ثم أقول، بعد الصلاة والسلام على سيد المرسلين، لا يجادل عاقل في ضرورة استدامة النظر في سبل تحقيق المجتمع للرقي، مهما بلغ في سلم التقدم، وإلا انقلب على عقبيه…

ولا شك أن نقطة الانطلاق في المعالجة والنهوض والإصلاح والتغيير العام، إنما تبدأ من محاضن التربية والتعليم، وتنتهي بمؤسساتهما العليا، مهما حاول البعض التأكيد على أهمية المواقع الأخرى، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها(1).

لهذا كانت، وما زالت، الدعوة إلى الإصلاح والتجديد في مناهج التأهيل التربوي العلمي رغبة ينشد تحقيقها عموم المسلمين؛ خاصة في مجال العلوم الإسلامية باعتبارها تحمل بين طياتها روح الانتماء، ومظهرا من مظاهر العزة، وعنوانا من عناوين الذات.

بيد أن تنزيل مقتضى هذه الدعوة إلى حيز الممارسة الفعلية في طورها الميداني ومتابعتها والعمل على تطبيقها وتحقيقها مع ما تحمله من مسؤوليات وأعباء، هو شيء لا يقوى عليه سوى القلة من الرساليين الذين وهبهم الله عمق الإيمان وحب التفاني  في سبيل المبدإ، والاستعداد لنكران الذات(2)، وهو دأب أهل الاعتبار من العلماء ورجال الإصلاح الأفذاذ على مر التاريخ الإسلامي، قديما وحديثا.

إقرأ المزيد..

الأنظمة التربوية وإشكالية القيم

بقلم: الدكتور عبد الحكيم حجوجي

مقدمة :

إن معالجة إشكالية القيم في الأنظمة التربوية في ظل التحولات المعاصرة مسألة بالغة الأهمية، غير أن المقاربة الشاملة للموضوع تقتضي  تعميق الرؤية في أبعاده وارتباطاته المختلفة، وهذا ما يقصر عنه الحيز المخصص لهذا المقال.

لذلك تتغيى هذه المحاولة ملامسة الموضوع من جوانبه الأساسية قدر الإمكان، عسى أن تنوب فيها الإشارة عن العبارة، وأن  يغني فيها التلميح عن التصريح. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

مقاربة المفهوم:

ا- المقاربة اللغوية:

” القيم” جمع لكلمة “قيمة”، وهي” ثمن الشيء بالتقويم…”، “وقام ميزان النهار” أي : اعتدل …و” القائم بالدين: المستمسك به الثابت عليه…والقيِّم هو المستقيم، و”القِيَمُ”: مصدر كالصغر والكبر، وكذلك “دين قويم وقوام”، ويقال: رمح قويم وقَوام قويم أي مستقيم.

قال كعب بن زهير :

فهم ضربوكم حين جرتم عن الهدى          بأسيافهم، حتى استقمتم على القِيَمْ

وقال حسان :

وأشهــــد أنك، عند المليـ             ـك ، أرسلت حقا بدين قِيَــمْ

والقيم الاستقامة. وفي الحديث:“قل آمنت بالله ثم استقم”، قيل هو الاستقامة على الطاعة، وقيل هو ترك الشرك[1] .

وقيمة الشيء: الثمن الذي يعادله ، وقيمة الإنسان قدره[2].

ونستنتج من هذا التحديد أن كلمة “قيم” تحمل معان متعددة، منها القدر والاستقامة والتمسك بالدين والثبات عليه .

ب- المقاربة الاصطلاحية :

        لقد تعددت تعاريف مفهوم القيم تبعا للحقول المعرفية التي تشتغل عليها، وجذورها وامتداداتها الفلسفية والاجتماعية والنفسية. فقد عرف معجم علوم التربية القيم بكونها “مجموع معتقدات واختيارات وأفكار تمثل أسلوب تصرف الشخص ومواقفه وآرائه، وتحدد مدى ارتباطه بجماعته “[3].

ويعرفها البعض بكونها “مجموعة من القوانين والأهداف والمثل العليا التي توجه الإنسان سواء في علاقته بالعالم المادي أو الاجتماعي أو السماوي”[4].

ج- المقاربة الإجرائية:

انطلاقا من المقاربة  اللغوية للمفهوم، والتي نستنج منها أن القيم تحمل معنى الاستقامة، وبناء على معالجتنا للقيم من منظور إسلامي، فإننا نستعمل مفهوم ” القيم الإسلامية “، ونقصد به شعب الإيمان الوارد ذكرها في الحديث  النبوي الشريف، حيث روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”الإيمان بضع وسبعون – عند البخاري بضع وستون- شعبة ( زاد مسلم) : أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان“.

أهمية القيم :

ونظرا لأهمية القيم التي يدعو إليها الإسلام، والتي  يمكن أن تسع بظلالها الكون كله، وأن تشمل بعالميتها الإنسانية جمعـاء، فقد قرن الله عز وجل بينها وبين المعرفة بشكل عام حين قال في أول آية نزلت: “اقرأ باسم ربك الذي خلق”. فالقراءة ينبغي أن تكون باسم الله ، والعلم ينبغي أن يقود صاحبه إلى الإيمان الذي يملأ الوجدان بقيم الخير والمحبة والخضوع. ولذلك نفى الله عز وجل صفة العلم عن  ” العلماء” الذين  اهتموا بعلوم الدنيا، -وهي مطلوبة على كل حال – لكن لم يكن لهم حظ من علوم الآخرة والمعاد، قال تعالى:“ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون”.

ما أحوج العالم إلى قيم الإسلام التي هي قيم إنسانية عالمية. إنها حاجة يعبر عنها بأشكال مختلفة عقلاء الإنسانية. يقول إدغار موران :“إن العالم المتحد الذي نطمح إليه، يجب أن يكون متعدد المراكز، وغير متمركز، ليس فقط سياسيا لكن ثقافيا أيضا. فالغرب الذي بدأ يتحول إلى قرية صغيرة، يحس بحاجته للشرق، بينما نجد أن الشرق الذي يتغرب، يحرص أن يظل وفيا لذاته كشرق. صحيح لقد طور الشمال الحساب والتقنية لكنه خسر نوعية الحياة، بينما نجد أن الجنوب متخلف تقنيا لكنه حريص على مراعاة الحياة، في أشكالها المتعددة. ثمة نوع من الحوارية يجب من الآن فصاعدا، أن تعمل على خلق تكامل بين الشرق والغرب، بين الشمال والجنوب”[5].

وظائف القيم :

لا يمكن لأية أمة أن تنشد التنمية الشاملة دون أن يكون لها نظام تربوي قوي بكفايتيه الداخلية والخارجية، ولا يمكن  لأي نظام تربوي أن يكون كذلك، إلا بمدى قدرته على تخريج أفواج مؤمنة  بقيمها وأصالتها من جهة، خبيرة مدربة في مجال العلوم والتقنيات من جهة أخرى. وذلك لأن التنمية الشاملة لا تعتمد على الكفايات والمهارات والمعارف التي يستطيع  المتعلم امتلاكها فحسب،”بل أيضا على القيم التي يتمسك بها وعلى المواقف والاتجاهات التي يتخذها حيال كثير من الأمور في المجتمع،  ومنها حيال العمل وطبيعته والزمن  واستثماره والتعاون ومداه، فعلى مثل هذه الجوانب الوجدانية والخلقية والإرادية في الإنسان، وعلى ما فيها من الإيجابيات تعتمد التنمية الشاملة إلى حد بعيد، وأهميتها قد لا تقل عن أهمية الجوانب المعرفية فيها “[6].

                                                                                                             يتبع …

 

المراجع والمصادر:

[1] انظر لسان العرب ، ابن منظور، مادة “قوم”.

 [2] المعجم العربي الأساسي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، مادة “قيمة”.

[3]  سلسلة علوم التربية، 1-10، الجديدة ، دار الخطابي ، ص: 359

[4]  الهادي عفيفي محمد، الأصول الفلسفية للتربية، مكتبة الانجلو مصرية ، 1978، ص: 286.

[5]  ادغار موران، تربية المستقبل، ترجمة عزيز لزرق، ومنير الحجوجي، منشورات اليونسكو، 2002، ص:71

[6] الشريف محمد احمد وآخرون، تقرير استراتيجيه تطوير  التربية العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بيروت، دار الريحاني للطباعة والنشر، 1979، ص: 300.

القائمة البريدية

تسجل في قائمتنا البريدية ليصلك جديدنا
ادخل بريدك الالكتروني: