نحو تأهيل جامع (1)

 

بقلم الدكتور عبد الحليم بن محمد أيت أمجوض

 

بسم الله الرحمان الرحيم، وبعد؛ كل المجتمعات الفاعلة في تاريخ البشرية كانت تملك رؤية واضحة لما تريد, وكيف تصل لما تريد…

والسؤال المطروح: ماذا تريد المجتمعات المسلمة اليوم؟ وما هو مخططها لتحقيق إرادتها؟

يقول الموفقون: إن الغاية ينبغي أن تكون مرضاة الله، والهدف بناء مجتمع متماسك متقدم في شتى المجالات، والوسيلة لذلك كله تحقيق التعليم والتأهيل الجامعين المبدعين.

فما المقصود بالتأهيل الجامع؟ وما هي مقوماته؟ وما هي مجالات حركته؟ وما هي آليات تحقيقه؟

الجمع لغة: تأليف المتفرق, بضم بعضه إلي بعض, والتأهيل الجامع بهذا المعنى يتحصل بجمع معاني شقيه لغة, ويكون بهذا الاعتبار: “التعليم الشامل للمتفرق من الفهوم والعلوم, المؤلف بينها على نحو معين”.

إن ما ورثناه عن سلفنا الصالح من علوم وقواعد مؤصلة ثروة بالغة الأهمية, وما قننوه، رضي الله عنهم، من أسس في علم التعديل والتجريح وأصول الفقه وفروعه وأصول الدين وعلم السلوك باق رهن إشارتنا, باق في تجزئته وبعثرته كنوزا مدفونة في الدفاتر على أقفالها رموز يحلها فيستفيد منها من معه مفتاح الجمع بين المتفرق على نحو بديع  …

ومقتضى النظر السليم الإقرار بأن هذه العلوم الموروثة، بما هي عليه من بعثرة وتجزئة، لا تخدم بناء المجتمع المتكامل، إلا بعد إعادة التنقيح والجمع، بقصد الكشف عن مسلك التأهيل الشرعي الجامع الموجه لكل جوانب الحياة المتوازن من غير إفراط في الاستقطاب بين وجوهها المختلفة ظاهرا وباطنا، عموما وخصوصا، نقلا وعقلا.

فلا بد أن يقوم تأهيل من هذا النوع على أمرين؛ أولهما الشمول، وثانيهما الاعتدال.

الشمول: ومعناه الإحاطة بشتى جوانب الحياة ووجوهها, ظاهرها وباطنها, منقولها ومعقولها، ما اتصل منها بالمجتمع، وما لم يعن إلا خويصة النفس.

 وبالمقابل من خلال هذه الخاصة يتناقض التأهيل الجامع مع كل منهج يقتصر على الفرد دون المجتمع أو بالعكس.

 كما يتعارض مع كل المناهج الصرفة الإجمالية أو التفصيلية أو التنظيرية أو التطبيقية أو الظاهرية أو الباطنية أو العقلية أو النقلية .. بشرط القصور على صنف من هذه الأصناف فقط.

الاعتدال: والمراد القصد والتوازن بلا إفراط أو غلو أو شطط في الاستقطاب أو الجنوح نحو طرف من الأطراف السالفة الذكر.

وبالمقابل من خلال هذه الخاصية, يتناقض التأهيل الجامع مع كل منهج يجنح نحو بعد واحد من أبعاد الوجود الكوني أو جانب من جوانب الحياة دون غيره, وذلك كأن يفرط في شؤون المجتمع إفراطا يخل بشأن الفرد, أو العكس، أو في شأن العقل أكثر من النقل، أو العكس…

(يتبع…)

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

القائمة البريدية

تسجل في قائمتنا البريدية ليصلك جديدنا
ادخل بريدك الالكتروني: