حوار الأديـان: نشأته وأصوله وتطوره

حوار الأديـان: نشأته وأصوله وتطوره

تأليف الدكتور عبد الحليم بن محمد أيت أمجوض.

طبع: دار ابن حزم، لبنان، ودار الأمان، الرباط.

عدد الصفحات:827.

بين يدي الكتاب:

لا يحتاج المتتبع للشأن الإعلامي والفكري في العقود الأخيرة بذل الوسع لاكتشاف التغيرات الفكرية التي حدثت في شتى المجالات، مما ساهم في تعزيز نزعة السلام والتعاون والحوار وخلق أمل في مستقبل تلوح فيه تباشير انحسار أنماط الهيمنة وتزايد الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية والحضارية…

 ولعل هذا ما جعل ظاهرة الحوار الديني أهم ميزة للنصف الثاني من القرن العشرين وما بعده، بل صرح آخرون بأنه ليس في مسألة الحضارة اليوم أهم من الحوار بين الأديان. لكن صداها المتعاظم لم يعصمها مما ابتليت به مثيلاتها من الظواهر الإنسانية؛ فما إن احتلت الصدارة على المنابر الإعلامية والثقافية حتى اختلفت بشأنها الآراء والمواقف، وكما لاقت ترحيبا وتشجيعا من قبل عدد من الأطراف، وجدت أيضا توجسا وخيفة عند آخرين، وتبعا لذلك أصبح ما بين الرأي ونقيضه، بخصوص مصداقية وشروط الحوار بين الأديان وأبعاده وقضاياه، مواقف وآراء متدرجة سلبا وإيجابا؛ بين من يراه مضيعة للوقت يستعمله المستكبرون في الأرض لتخدير الشعوب المستضعفة وكسب الوقت، ومن يراه المخرج من أزمة الإنسانية الحديثة، وبينهما أصناف من المهتمين ممن يضعون للقبول والرفض شروطا وقيودا.

ولما باتت حركة الحوار هذه تلقي بظلالها الكثيفة المختلفة في الأوساط الفكرية، مثلما أصبحت تسع أصنافا متنوعة من الحوار بتنوع أطرافها وأهدافها وموضوعاتها ووسائلها والجهات المشرفة عليها، فالمبادرة إلى رفضها أو قبولها مبدئيا مغامرة غير محسوبة تختصر واسعا، وتنتقي وجها واحدا من ظاهرة متعددة الوجوه؛ تحكم عليه بالسلب والإيجاب دونما تمحيص.

والأوفق دراستها بوعي تام وتحليلها بعمق فاحص لمختلف الاتجاهات والآراء وأبعادها العقدية والواقعية، من خلال مخطط شامل لنشأة الدعوة إلى حوار الأديان المعاصرة وأصولها وتطورها، تقويما بعد التقييم لظاهرة من فرط الاستهلاك الإعلامي كادت تصبح شعارات تلاك، وهو عمل أرجو أن يكون لي منه حظ من خلال هذا البحث في موضوع؛ “حوار الأديان؛ نشأته وأصوله وتطوره”.

وإنما اخترت دراسة النشأة والأصول اللاهوتية والواقعية قبل البحث في قضايا التطور المعاصرة، لأن من رام الاشتغال على الظواهر المعقدة ذات الأبعاد المختلفة والظلال الكثيفة وعلى الكيفيات التي تأخذ بها مسالكها في الحاضر والمستقبل، لا يجد بدا من الوقوف على المصادر الدينية والتاريخية لسبر أغوار الماضي بحثا عن بذورها الأولى وجذورها وامتداداتها في الزمن ورواسبها في اللاشعور البشري الفردي والجمعي، وانعكاساتها على التطورات المتلاحقة الحاصلة على مستوى السلوك الإنساني الاعتيادي والطافر….

مخطط البحث:

بعد سلوك دروب البحث على هدى من طبيعة الموضوع وما يتوخاه من نتائج وأهداف خلصت إلى ترتيبه على ستة فصول تصدر بمقدمة وتمهيد وتردف بخاتمة.

فخصصت المقدمة للتعريف بالموضوع وبيان أهميته ودواعي اختياره وأهدافه والأعمال العلمية السابقة فيه وخطته ومنهجية مناولته وصعوباته، وجعلت التمهيد في واقع التعددية الدينية وأيلولتها الشرعية الضرورية لحوار الأديان.

واعتنيت في الفصل الأول ببيان مفهوم حوار الأديان وأنواعه وعلاقته بحوار الثقافات وحوار الحضارات، وختمته بالحديث عن النشأة، فميزت فيها بين النشأة العفوية التاريخية لحوار الأديان بنوعيه العقدي والواقعي، والنشأة الرسمية للظاهرة المعاصرة لحوار الأديان بخصائصها وأبعادها وقضاياها المميزة.

وعبرت بعد ذلك إلى الفصل الثاني للبحث في الأصول اللاهوتية والواقعية لحوار الأديان، بعد أن بينت في مقدمته أن تتبع تاريخ الحوار بين الأديان يستدعي الحديث عن جانبين، أولهما؛ مراحل ازدهاره ونجاحه، وثانيهما؛ مراحل تراجعه وفشله. وإذا كان التعايش والتكافل ومحطات اللقاء والتفاهم دليلا على الجانب الأول، فإن التدليل على تاريخ الفشل لا يكون إلا بإيراد شواهد النزعة الأصولية في الفكر اللاهوتي وتمظهراتها من خلال تاريخ الصراع والعنف والإقصاء والاضطهاد.

لذلك تحدثت في المبحث الأول من فصل الأصول عن النزعة العنصرية الإرهابية اللاهوتية والواقعية في الفكر اليهودي وتاريخه، وبينت في المبحث الثاني كيف تحولت المسيحية تاريخيا من مسار التسامح إلى العنف الذي لا يزال مستمرا إلى اليوم بالرغم من حركة الحوار، وختمت ببعض ما جاء به الإسلام من تعاليم مميزة في مجال التسامح وحماية الأقليات، بدءا من صحيفة المدينة التي كانت الإعلان الرسمي عن قيام الدولة الإسلامية الأولى على أساس التعددية الدينية، ولو مع اليهود بما علم عنهم في القرآن من طباع الاستعلاء والتحريف وقتل الأنبياء بله غيرهم.

 وكان من المقاصد التبعية في هذا الفصل، وجزء من سلفه، الاستدلال على أن القطيعة في الحوار لم تكن لتحصل من طرف المسلمين، وإنما كانت من طرف أهل الديانتين الأخريين، إذ لما جاد الزمان عليهما بالسيادة، وحل بدولة المسلمين الأزمات والنكبات ثم الانحطاط؛ آل أمر المسيحية من المحبة العقدية إلى الشدة والعنف في الواقع، أما اليهود فلم يكن لهم من الأصول العقدية المحرفة ما يدفعهم للتعايش ومسالمة المخالفين دينيا.

ثم يممت وجهي صوب الفصل الثالث لدراسة تطور حوار الأديان في المرحلة الحديثة؛ دوافعه ومميزاته وأبعاده ومعيقاته، فتناولت في المطلب الأول من المبحث الأول دواعي الانقلاب الرأسي الذي حصل من الطرف المسيحي بالمبادرة إلى إعلان الحوار وإعادة مد جسور التسامح والتعايش، من خلال المجمع الفاتيكاني الثاني، بعد تاريخ العنف الكنسي الطويل المادي والمعنوي، وعرجت في المطلب الثاني على مميزات الحركة المعاصرة لحوار الأديان، كما فصلت في الأبعاد المختلفة للظاهرة من خلال المبحث الثاني، وختمت الفصل بمبحث ثالث ركزت فيه على أهم المعيقات التي شكلت عقبات حقيقية أمام تحقيق الشعارات الإيجابية المعلنة.

وخصصت بعد ذلك فصلين لعرض نماذج من حوار الأديان الواقعي وجملة من قضاياه وموضوعاته، وذلك للتدليل بتفصيل على عدد من معطيات فصلي الأصول والتطور السابقين بقصد دعم مستنتجاتهما من جهة، ولتحرير محال النزاع في عدد من القضايا التي استبدت بالنقاش داخل أروقة الحوار الديني في أبعاده القطرية والعالمية.

ولما كانت الإفادة العلمية في هذا البحث إنما تكمن في تقويم الظاهرة وتصويبها، بعد توصيفها موضوعيا من خلال بيان دوافعها وأبعادها وقضاياها، فقد ختمت البحث بفصل للحديث عن آفاقها؛ تناولت في المبحث الأول منه تصحيح المنطلقات من خلال التذكير بالأرضية المشتركة وتثبيتها، وعرجت في المبحث الثاني على التحديات الحقيقية التي تقف عقبة في طريق الحوار الجاد على المستويات الوطنية والدولية، وختمت الفصل بمبحث ثالث للحديث عن ضرورة عقلنة الحوار وتخليقه وتعزيزه بأسباب القوة وبسطه على مساحات أرحب لتجاوز صبغة القصور التي تطبعت بها الظاهرة المعاصرة لحوار الأديان بالسعي إلى إغناء وظيفته في تحقيق التواصل الإنساني وتوسيع تأثيره على نفوس المتدينين كافة، وقد أشرت في محله إلى وجوب إحداث نقلات لاستنبات الحوار في بيئات أكثر سعة وأوفر عطاء، مع إعادة تدبير الحوار في المساحات القديمة.

وكما افتتحت البحث بمقدمة أنهيت رحلته بخاتمة تضمنت أهم الخلاصات.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

القائمة البريدية

تسجل في قائمتنا البريدية ليصلك جديدنا
ادخل بريدك الالكتروني: