التكوين في مجال العلوم الإسلامية ; الواقع والآفاق(1)

بقلم: الدكتور عبد الحليم بن محمد أيت أمجوض

بسم الله الرحمان الرحيم، العليم الخبير، أفتح نافذة من خلال موقع مؤسسة التنوير للحديث عن هموم التكوين في مجال العلوم الإسلامية وآماله، راجيا من العلي القدير أن تجد صدى طيبا لدى رواد هذا الموقع المبارك بإذن الله.

ثم أقول، بعد الصلاة والسلام على سيد المرسلين، لا يجادل عاقل في ضرورة استدامة النظر في سبل تحقيق المجتمع للرقي، مهما بلغ في سلم التقدم، وإلا انقلب على عقبيه…

ولا شك أن نقطة الانطلاق في المعالجة والنهوض والإصلاح والتغيير العام، إنما تبدأ من محاضن التربية والتعليم، وتنتهي بمؤسساتهما العليا، مهما حاول البعض التأكيد على أهمية المواقع الأخرى، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها(1).

لهذا كانت، وما زالت، الدعوة إلى الإصلاح والتجديد في مناهج التأهيل التربوي العلمي رغبة ينشد تحقيقها عموم المسلمين؛ خاصة في مجال العلوم الإسلامية باعتبارها تحمل بين طياتها روح الانتماء، ومظهرا من مظاهر العزة، وعنوانا من عناوين الذات.

بيد أن تنزيل مقتضى هذه الدعوة إلى حيز الممارسة الفعلية في طورها الميداني ومتابعتها والعمل على تطبيقها وتحقيقها مع ما تحمله من مسؤوليات وأعباء، هو شيء لا يقوى عليه سوى القلة من الرساليين الذين وهبهم الله عمق الإيمان وحب التفاني  في سبيل المبدإ، والاستعداد لنكران الذات(2)، وهو دأب أهل الاعتبار من العلماء ورجال الإصلاح الأفذاذ على مر التاريخ الإسلامي، قديما وحديثا.

ولما كان الاستقراء التام أمرا متعذرا، فضلا عن تنافي الاستطراد المطول مع طبيعة هذا المقال، أكتفي بنماذج من تاريخ الغرب الإسلامي، على أن أمر إلى دعوات الإصلاح المعاصرة وقضاياها المحورية المتعلقة بمؤسسات التعليم الشرعي لكونها المسلك الأهم إلى تأهيل طلبة العلم الشرعي عموما، والمجتهدين خصوصا.

أولا: نماذج من تاريخ إصلاح التأهيل الشرعي بالغرب الإسلامي.

لما كان تحصيل العلوم والأخلاق مناط نهضة الأمم؛ حرص علماء الأمة على تحسين أساليب التعليم والعناية ببيان شرف العلم ومكانة العلماء، وعلى مر العصور لضمان استمرار الإقبال على الطلب عبر الأجيال، فعلموا وكتبوا وساروا في الناس وفق ما بينوا فأخلصوا رحمهم الله.

وقد حظي الغرب الإسلامي على وجه الخصوص بحظ وافر من الكلام والعمل على إصلاح التعليم أو ما يؤول إليه قديما وحديثا؛ فأفرد الإمام الحافظ ابن عبد البر القرطبي المالكي المتوفى سنة 463 هـ، كتابا جامعا لبيان فضل العلم وأدب التلقين والتحصيل العلميين(3).

وتحدث أبو بكر بن العربي في كتاب “الرحلة” وكتاب “العواصم” عن أسلوب التعليم عندهم وانتقد واستحسن وبين طريقا صالحا(4)، ونحا نحوه ابن خلدون في المقدمة(5).

واشتغل محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي بإصلاح التعليم ونشره وإنشاء المدارس، وبث روح النهضة فيها منذ أن تولى وظيفة نيابة الصدارة العظمى في وزارة العلوم والمعارف، أول ما أحدثت في المغرب عام 1330هـ،على أن أظهر أعماله خلال ولايته إصلاح نظام التعليم بالقرويين، قال: “وفي سنة 1332هـ، باشرت تنظيم المجلس التحسيني لإصلاح التعليم بالقرويين… وألفت قوانينه التحسينية، وما كان لفظ نظام أو تنظيم يعرف له المعنى المقصود هناك، ولا كان يوجد لعلماء ذلك المعهد مرتبة أو ترتيب حتى فاجأتهم بذلك”(6).

وكذلك فعل ابن عاشور الذي نذر قدرا كبيرا من حياته لإصلاح التعليم في تونس، وأفرد لذلك كتابا بعنوان: “أليس الصبح بقريب، التعليم العربي الإسلامي، دراسة تاريخية وآراء إصلاحية”، استعرض فيه أطوار التعليم والطرق الكفيلة بتحقيق إصلاحه، كما ضمنه آراءه الإصلاحية التي بدأ بتدوينها عام 1321 هـ، واستمر ببثها والصدع بها في أجواء الفتور العام ومحيط من أهل التقليد والخمول ممن اعتبروه حالما، إلى أن كتب لفكره وتنظيره القبول فسمي عضوا بلجنة إصلاح التعليم بجامعة الزيتونة التي قررت إدخال إصلاحات عميقة على نظام التعليم به، فاستحق على إثر ذلك لقب أول شيخ للجامع سنة 1351هـ، ليباشر إدارته وتطبيق الإصلاحات عوضا عن نظام “النظارة” الذي كان يشرف على التعليم بالزيتونة(7).

وعلى العموم فإن التاريخ الإسلامي لم يعرف انقطاعا في دعوات الإصلاح والتجديد في مناهج التعليم ومقرراته في الشرق(8) كما في الغرب، بغض النظر عن أثرها في الواقع، وهي اليوم أكثر اتساعا وانتشارا من أي وقت مضى بسبب الإجماع الحاصل حول تفاقم أزمة التعليم العام، والديني على وجه الخصوص، في العالم الإسلامي.

ثانيا: واقع التأهيل بمؤسسات الدراسات الإسلامية المعاصرة وآفاقه.

لقد عقدت في سبيل توصيف العلل والحلول أنشطة علمية وخصصت لذلك أقدار كبرى من حيز النشر العلمي، وكانت جملة المناولات تدور حول قضايا من فقه واقع التأهيل في مؤسسات الدراسات الإسلامية وآفاقه يمكن اختصارها فيما يأتي(9):

أ‌-  واقع مواد التأهيل ومضمونها ومدى قدرتها على الوفاء بحاجيات الاجتهاد في الواقع المعاصر، وما تؤول إليه مناولة هذا المحور من ضرورة الاستغناء عن الحشو غير المفيد، وتدارك النقص وسد الخلل الحاصل.

ب‌-   واقع مناهج التأهيل ومدى تركيزها على تقديم المعرفة مع التحليل والتقييم، بدل الاقتصار على الحفظ والرواية مجردين عن الفهم والاستثمار والتطوير.

ج- مدى إمكانية تنزيل نظرية الاجتهاد بما هي عليه في التراث الأصولي من حيث الشروط والمعايير على أرض الواقع المعاصر.

د- كيفية تجاوز الازدواجية الحاصلة على مستوى النظم الاجتماعية القانونية في العالم الإسلامي على نحو يحافظ على الأصالة ويستجيب لضرورات المعاصرة.

هـ- مدى وفاء مضمون المواد الفقهية بحاجيات المجتمع المعاصر، وكيفية تجاوز القصور والخلل.

1. علل التأهيل.

لقد درجت الجامعات الإسلامية القديمة على تقاليد ومناهج علمية امتدت لقرون بعيدة ورثها الخلف عن السلف حتى وصلت إلى عصرنا الحاضر، ولا شك أن بعضا من تلك التقاليد والمناهج واكب نشأة العلوم الإسلامية وما تفرع عنها من علوم مختلفة منذ القرن الأول والثاني للهجرة وحتى نضوجها واكتمالها فيما بعد، يظهر ذلك جليا في علم أصول الفقه، وعلم الكلام، وعلوم الحديث والرجال، وعلوم اللغة العربية وآدابها، وغيرها مما اكتمل القدر الأكبر من هيكله وتحددت مضامينه ومشكلاته في حقبة زمنية لا تتعدى القرن السادس الهجري(10).

ثم بعد ذلك وجدت علل كثيرة منفذا لتلك العلوم وطرق توارثها على أن لتلك العلل والآفات أمهات يمكن اختصارها فيما يأتي:

العلة الأولى: الانقطاع عن الأصل.

العلة الثانية: الإغراق في التجريد.

العلة الثالثة: الإغراق في الفروعية.

العلة الرابعة: الانقطاع عن الكسب البشري في مجال علوم الواقع.

العلة الخامسة: اختلال الفلسفة العامة للتأهيل.

العلة السادسة: الضعف العام في وسائل التكوين والبحث العلمي.

العلة السابعة: قصور الهمم وعدم تقدير المسؤولية.

(يتبع…)

المصادر والمراجع:

1)     عمر عبيد حسنة، مقدمة كتاب “النظم التعليمية الوافدة في إفريقيا، قراءة في البديل الحضاري”، للدكتور قطب مصطفى سانو، سلسلة كتاب الأمة، عدد: 63، السنة: 18، محرم 1419 هـ/  أبريل- مايو 1998 م، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط:1/1998 م، ص:14.

2)     المظفر محمود، مقدمة كتاب: “آفاق التجديد الإسلامي أعلام وتيارات”، للدكتور إبراهيم العاتي، سلسلة قضايا إسلامية معاصرة، دار الهادي، بيروت، ط: 1، 1424هـ/ 2003م، ص:5.

3)     ابن عبد البر أبو عمر يوسف ابن عبد الله بن محمد، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق مسعد عبد الحميد محمد السعدني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:2، 1428 هـ/2007 م.

4)     ابن عاشور محمد الطاهر، أليس الصبح بقريب؛ التعليم العربي الإسلامي دراسة تاريخية وآراء إصلاحية، دار السلام، القاهرة، دار سحنون، تونس، ط:2، 1428هـ/2007م، ص: 16.

5)     ابن خلدون عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص: 430 وما بعدها .

6)     الحجوي محمد بن الحسن، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، مج:1، ص: 19.

7)     ابن عاشور، أليس الصبح بقريب: التعليم العربي الإسلامي؛ دراسة تاريخية وآراء إصلاحية، دار سحنون للنشر والتوزيع بتونس، ودار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة بالقاهرة، ط:2، 1428هـ/2007م، ص: 5.

8)     انظر تجارب من إصلاح التعليم في مناطق من العالم الإسلامي عند: الدكتور إبراهيم العاتي، في “آفاق التجديد الإسلامي؛ أعلام وتيارات”، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، دار الهادي، بيروت، ط:1، 1424 هـ/2003م.

9)     انظر في هذا السياق تقريرا عن مائدة مستديرة نظمت بمؤسسة دار الحديث الحسنية في موضوع: “مؤسسات الدراسات الإسلامية؛ الواقع والآفاق” في مجلة الواضحة، إصدار دار الحديث الحسنية، العدد: 4، 1429 هـ/2008م، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، ط:1، 2008 م، ص:379 وما بعدها.

10)العاتي إبراهيم ، آفاق التجديد الإسلامي أعلام وتيارات، سلسلة قضايا إسلامية معاصرة، دار الهادي، بيروت، ط: 1، 1424هـ/ 2003م، ص: 13.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

القائمة البريدية

تسجل في قائمتنا البريدية ليصلك جديدنا
ادخل بريدك الالكتروني: